الباحث في الاقتصاد السياسي أحمد بهجة
المشهد الحالي في لبنان والمنطقة مليء بالمتغيّرات السريعة والمتلاحقة،
وما يبدو أنه صحيح الآن قد يتبدّل خلال أيام قليلة...
الآن... يمكن القول بعد جلسة مجلس الوزراء يوم الجمعة الفائت في 5 أيلول 2025 ،
إنّ لبنان تجاوز "القطوع الصعب" الذي حكَم الوضع الداخلي طوال شهر كامل
بعد القرارين الخاطئين اللذين اتخذتهما الحكومة في جلستي 5 و7 آب 2025 الماضي، بغياب وزراء الثنائي الوطني.
هذه "الجلسة التصحيحية" كانت لها مقدّمات كثيرة يمكن أن نوردها كالآتي:
المواقف العالية السقف التي أطلقها قادة ومسؤولو حزب الله بدءاً من رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب الحاج محمد رعد
الذي قال للمتوهّمين بـ "نزع" سلاح المقاومة "يروحوا يبلطوا البحر" وصولاً إلى الموقف النهائي للأمين العام لحزب الله الذي كان حاسماً بقوله إنّ السلاح لن يُسلَّم طالما العدوان الإسرائيلي على لبنان مستمرّ،
وطالما هناك احتلال لأيّ جزء من الأراضي اللبنانية،
جازماً بأنّ المقاومة ستخوض "معركة كربلائية" دفاعاً عن سلاحها إذا لزم الأمر.
ـ الكلمة المفصلية التي ألقاها رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه
في 31 آب الماضي، والتي توجّه فيها بوضوح إلى "أهل القرارين" بأنّ عليهم العودة
إلى المواقف اللبنانية الجامعة المنطلِقة أولاً من اتفاق الطائف،
ثم من خطاب القسَم والبيان الوزاري حيث تمّ تحديد الأولويات والثوابت التي لا يجوز الانقلاب عليها بأيّ شكل من الأشكال ومهما كان حجم الضغوط الخارجية.
زيارة الأمين العام للمجلس القومي الأعلى الإيراني علي لاريجاني إلى لبنان والرسائل التي وجّهها خلال لقاءاته بالرؤساء اللبنانيين، لا سيما حين أكد أنّ إيران لا تتدخل مطلقاً في شؤون لبنان الداخلية على عكس الآخرين الذين يأتون بأوراق أشبه بالإملاءات،
لكنه أكد أيضاً بوضوح كامل أنّ إيران لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تجاوز الأمر الداخل اللبناني وحصل تدخل خارجي مباشر في سياق استهداف المقاومة وفريقها وسلاحها.
الإحباط الكبير في الأوساط الرسمية اللبنانية، من زيارة الوفد الأميركي التي لم تأتِ بأيّ خطوات "إسرائيلية" مقابل الخطوات اللبنانية ورفض تقديم ضمانات في ظلّ استمرار الاعتداءات "الإسرائيلية" على لبنان وعمليات التوسّع البري في الجنوب.
الموقف الحاسم للجيش اللبناني وقائده العماد رودولف هيكل بعدم اتخاذ أيّ إجراء
ميداني يمكن اعتباره استهدافاً للمقاومة وسلاحها وبيئتها،
أولاً لأنّ قيادة المقاومة متجاوبة تماماً مع الجيش وتقدم له كل التسهيلات الممكنة خلال تنفيذه المهمة الموكلة إليه جنوبي الليطاني، بينما العائق الوحيد أمام استكمال انتشاره وبسط سلطة الدولة بشكل كامل وصولاً إلى الخط الأزرق كما ينص القرار 1701، هو العدو "الإسرائيلي"،
وبالتالي لا لزوم لأيّ خطوات أخرى خارج منطقة جنوبي الليطاني قبل أن ينفذ العدو "الإسرائيلي" الخطوات المتوجبة عليه وأوّلها وقف اعتداءاته كلياً وسحب جيشه من النقاط التي لا يزال يحتلها،
بينما يرى الجميع أنه يضيف إليها نقاطاً أخرى.
الإيجابية المطلقة التي لاقى بها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون كلّ هذه المعطيات، وكان حريصاً كلّ الحرص على أن يجد المخرج المناسب والمقبول،
وهو ما حصل في جلسة 5 أيلول التي أتى قرارها داعماً لما يريده الجيش اللبناني، وخاصة حصر مهامه في هذه المرحلة في منطقة جنوبي الليطاني،
تمهيداً لحصول التوافق السياسي المطلوب للانتقال إلى مراحل أخرى، طبعاً بعد انسحاب جيش الاحتلال من النقاط المحتلة ووقف اعتداءاته على لبنان بشكل كامل.
إذن موقف الجيش وقيادته، يقول للمستوى السياسي في البلد: "إلى الحوار درّ"... وهذا بالضبط ما دعا إليه الرئيس نبيه بري والشيخ نعيم قاسم،
وهذا ما يؤيده رئيس الجمهورية، من خلال العمل على تنفيذ أولويات خطاب القسم والبيان الوزاري لا سيما لجهة
وضع استراتيجية أمن وطني ومن ضمنها الاستراتيجية الدفاعية.
ومما لا شكّ فيه أنّ سلوك هذا الطريق التوافقي الداخلي يجعل لبنان قادراً على مواجهة الضغوط الخارجية التي لن تتوقف بالطبع،
وربما نرى موجة جديدة منها مع عودة المبعوثة الأميركية مورغان أرتاغوس برفقة مسؤولين عسكريين هذه المرة لتفعيل عمل اللجنة الخماسية المكلفة متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية،
والذي تمّ إعلانه في 27 تشرين الثاني الماضي ولم يلتزم به العدو "الإسرائيلي" بينما التزم به لبنان بشكل كامل.
على أنّ نقطة القوة الأساسية في لبنان تبقى كما قلنا في التوافق الداخلي من خلال الحوار الوطني الصريح الذي يجعل من الممكن الاستفادة من كلّ عناصر القوة،
وأوّلها المعادلة الصالحة لكلّ زمان ومكان "الجيش والشعب والمقاومة"...


